الرئيسية » الأخبار » يوم الثقافة الوطنية »   طباعة الصفحة

مازن معروف يتحدث عن الهوية والمكان والإبداع المتجدد

قدم القاص الفلسطيني المقيم في آيسلندا، ندوة هامة تطرق فيها إلى محاور عدة تراوحت ما بين التجربة الشخصية، وهموم الكتابة، والحداثة والمغايرة في الأدب، وزيارته لفلسطين، ومواجهة الرواية الإسرائيلية أدبياً بطرائق فنية قادرة على المنافسة، وغيرها من المحاور.

وكان ذلك في ندوة حملت عنوان "الهوية والمكان في تجربة صانع الوحشة"، حاوره فيها الروائي عارف الحسيني، وبمشاركة وزير الثقافة د. إيهاب بسيسو، وعدد من المهتمين في قاعة بلدية البيرة، مساء أمس.

وانطلقت الأمسية بترحيب من وزير الثقافة د. إيهاب بسيسو بالقاص والشاعر والصحافي والناقد والمترجم معروف، الذي وصل فوراً إلى حيث الندوة قادماً من آيسلندا إلى عمّان فرام الله عبر الجسر بما تحمله الرحلة من معاناة عايشها كما بقية أبناء شعبنا.

وقال: سعداء بأن يكون مازن بيننا للمرة الثانية .. أذكر عندما زار مازن لأول مرة فلسطين بمشاركته في الدورة العاشرة لمعرض فلسطين الدولي للكتاب، وكانت تمهيداً لطريق ما يمكن أن نسميه العودة في الثقافة، فمازن الذي جاء إلى فلسطين، جاء ليصالح المسافة بإبداعه، وأيضاً بوجود الفيزيائي بيننا.

وأكد بسيسو: تجربة مازن معروف تحمل في ثناياها الكثير من المفارقات، فهو الفلسطيني الذي ولد في لبنان، والذي هجرت عائلته من مخيم تل الزعتر إلى مخيم شاتيلا، وعاش التجربة الفلسطينية في لبنان قبل أن ينتقل إلى آيسلندا محملاً بإرداة الفلسطيني الصلبة، وايضاً برؤية إيجابية للمستقبل، ما جعله ينجح في تحقيق حضور ثقافي مميز في آيسلندا مترجماً، وشاعراً، وناقداً، بل بات من أبرز الأسماء على المستوى الأدبي، وجعلت لحضوره الثقافي بالعربية والآيسلندية حضوراً مميزاً، ما دفعنا إنطلاقاً من واجبنا تجاه مثقفينا والمبدعين توجيه دعوة له للمشاركة في فعاليات معرض فلسطين الدولي للكتاب، والآن للمشاركة في فعاليات يوم الثقافة الوطنية، والتي وجدنا في هذه المشاركة ما يجسد رسالة الثقافة الفلسطينية ببعدها الكوني، وهو الذي حقق إنجازاً في الشهر الأخير من العام الماضي بفوزه بجائزة الملتقى للقصة العربية في الكويت عن مجموعته القصصية "نكات للمسلحين"، وهو الإنجاز الذي يحسب له مبدعاً، ويحسب لفلسطين، وهو ما يستحق منا التقدير والتكريم والاحتفاء.

وقال معروف: مسألة الهوية بالنسبة لي تنطلق من بعد شخصي، بعيداً عن الشعارات والأيديولوجيات، وعن الهتاف والأغاني العاطفية .. "أهلي هربوا من تل الزعتر قرب المجازر بفترة قصيرة"، لكن حكايات تل الزعتر هي التي شكلت ذاكرتي الفلسطينية المبنية على القص والسرد والحكاية المتخيلة، فمخيم تل الزعتر لم يعد له وجود، حيث أبيد بعد المجازر .. عملي التخييلي في القص، أو الفنتازي إن جاز لي التعبير، قد يكون له علاقة بعوامل عديدة من بينها أن الحكايات الأولى التي كنت أتعرض لها كان لمكان لم يعد موجوداً، وبات عليّ تخيله .. بالنسبة لي كان على الدوام ثمة جزء من حكاية فلسطين مبنية على الفكرة والتخيل، لافتاً إلى أن مسألة الهوية لدى الفلسطيني خاصة في لبنان تبدأ كإشكالية في سن مبكرة، فهويتي كفلسطيني في لبنان تختلف عن هوية الفلسطيني في غزة، أو الضفة، أو الجليل، أو في الشتات الأوروبي، ولكني أرى في هذه الاختلافات المبنية على التجربة قد تصنع مشهداً ثقافياً وفنياً غنياً، فكل فلسطيني عاش تجربة وتماس مع مجتمع ومحيط ثقافي واجتماعي وسياسي، وتعرض لنوع من الضغوط يختلف عن الفلسطيني الاخر، ما يولد لديه محفزات للإبداع تختلف بحكم اختلاف التجربة.

وعن زيارة فلسطين، قال صاحب "نكات للمسلحين": لم أتمكن من تكوين مشهد متكامل عن فلسطين في زيارتي الأولى لها، في شهر أيار الماضي، فالمشهد جداً مركب ومعقد، فالاختلاف بين ساكني الجغرافيات الفلسطينية يصل حد الدهشة، ويختلفون عني وعنهم، وهو ما دفعني للتأمل والتفكير بالمسافات الزمنية التي عاشها الفلسطيني بما يفوق المسافات الجغرافية التي عاشها على أرض الواقع .. كلما جئت لزيارة فلسطين تستوقفني سلطات الاحتلال للتحقيق كغيري من الفلسطينيين، وهو رغم ما يتضمن من إزعاج إلا أن تصرف من الاحتلال يضعني على أرض الواقع، وفي صلب المعاناة، وفي خضم التجربة، بعيداً عن نشرات الأخبار، وبالتالي يتشكل الواقع بقسوته ويطرد الرومانسية، ويضعنا نحن الفلسطينيين المقيمين خارج فلسطين، في منطقة خارج الترف.

وأضاف: الحالة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تسقط الفوارق الإنسانية بين الثقافات، وبين الأطياف المختلفة للبشر من مختلف الجنسيات، ففلسطين تشكل قالباً للمعاناة.

وحول ما قاله لوالدته بعد مغادرته فلسطين لأول مرة: الوالدة أكثر من كان يحدثني عن فلسطين مع أنها من الجيل الثاني، وولدت في لبنان .. والدي كان من الجيل الأول للنكبة كما يطلق عليهم المؤرخون .. كانا متحمسين لأصف لهم القرى التي هجر والدي منها، وهي دير القاسي .. هي الآن مستوطنة، ولكن هناك بضع منازل ما بين سبعة إلى ثمانية متبقية، ومسيج حولها أعلى التل، ويبدو أنهم ينتظرون لها موتاً طبيعياً ولا يريدون إعدامها لربما لكي لا يثيرون ضجة إعلامية .. وصفت القرية، ولا يمكن أن أتحدث عن شعور عاطفي، بقدر ما شعرت بالصدمة والدهشة وغير قادر على استيعاب المشهد، فأنا في القرية التي احمل اسمها، والتي لا تحمل من دير القاسي التي ورثناها عبر الحكايات، وكنت أعيد بناء القرية بين ما تبقى من جغرافيتها التي كنت فيها، وما يحملانه في مخيلتهم.