الرئيسية » شخصية العام الثقافية »   طباعة الصفحة

الباحث المقدسي إسحق البديري2019

إسحق أحمد البديري / السيرة  الذاتية

ولد إسحق البديري في حي القطمون في القدس ليلة 17/18 كانون الأول عام 1943، لأبوين من عائلة  البديري المقدسية. جده لوالده كان قاضيًا وأستاذ قانون، بينما كان جده لوالدته محاميًا خلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، وترجع جذور عائلته في القدس إلى القرن الحادي عشر الميلادي، بحيث وصلت إليها  بعد تحريرها من الصليبيين على يد البطل صلاح الدين الأيوبي.

برزت عائلة البديري على مدار السنين بدورها العلمي، حيث كان منهم علماء دين وفقه، وشيوخ في المسجد الأقصى، وكان منهم مهندسون وأطباء وصيادلة، محامون وقضاة، مدراء ومعلمو مدارس، وأساتذة جامعات، إعلاميون وصحفيون ، عسكريون قادةً وضباطًا.

كان عمره خمس سنوات عندما بدأت المنظمات الصهيونية في مطلع سنة 1948 باستخدام القوة المسلحة للاستيلاء على وطن الشعب الفلسطيني، وكان حي القطمون بالذات يواجه الهجوم الأكبر والأعنف والأشد  شراسة، وكان دويّ القنابل وطلقات المدافع وأزيز الرصاص وأصوات الانفجارات الناجمة عن نسف وتدمير  المباني العربية يتردد صداها في أذنيه صباحَ مساء، وتحت وهج النيران انتقل مع عائلته إلى حيّ باب الساهرة، ثم هاجرت الأُسرة إلى مصر، حيث استقرّ في القاهرة مدّةَ عام.

عاد إلى القدس مع أسرته التي سكنت في حيّ جبل الزيتون، والتحق بروضة  أطفال تابعة للمدرسة اللوثرية كانت تقع داخل مجمع (ألاوغستا  فيكتوريا)، ثم التحق بالصف الأول في مدرسة الطور الابتدائية خريفَ عام 1951.

وفي خريف عام 1954 انتقلت العائلة للسكن في الزاوية الأدهمية المواجِهة للسور الشمالي للبلدة القديمة،  على الطريق بين بابي الساهرة والعامود. في نهاية ذلك العام وطوال سنة 1955 كانت البلاد تموج بالفعاليات والنشاطات  السياسية، خصوصًا مع تنامي دور الأحزاب السياسة والنقابات المهنية، وشاهدَ العديدَ من المظاهرات الحاشدة، وشارك في مظاهراتٍ ضد انضمام الأردن إلى حلف بغداد الاستعماري، ووجد  نفسه  يهتف "يسقط  حلف  بغداد، يسقط الاستعمار"، إلا أن أحداث عام 1956 من غارات الفدائيين داخل فلسطين إلى تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر شكّلت وجدانه ووعيه السياسيّ، وحدّدت اتجاهه الفكري، ومنذ ذلك الوقت راح يسأل ويستفسر ويطلب المعرفة؛ لفهم ما يجري حوله في العالم الذي نسيَ بيتَه في حي القطمون.

كانت والدته مرشدته ومعلمته الأولى، وكان الراديو بإذاعاته المختلفة خاصة (صوت العرب) مرشدَه الثاني، وكانت المكتبات والصحف المحلية والعربية هي مرشده الثالث، وكان الكتاب والمطالعة المرشد الرابع، تلك كانت وسائله الأولى في نشوء الوعي الوطني لديه، وفي اكتساب ثقافة عامة متنوعة ومتنوّرة وتقدمية، وليفهم طلاسم الحياة التي بدتْ معقدة لكنّها مع السنين تتحوّل إلى بساط مكشوف. اهتمّ بقراءة كتب مشاهير الأدباء والكتّاب العرب والأجانب القدامى والمحدثين، قرأ في مواضيعَ متعددة، مثل: القصص والروايات والتاريخ وتراجم الشخصيات العربية والأجنبية. درس في كبريات المدارس المقدسية، في العمرية وعبد الله بن الحسين والرشيدية والكلية الأنطونية القبطية، وحصل على شهادة الدراسة الثانوية المصرية (التوجيهي)  القسم الأدبي، في شهر تموز 1963 سافر إلى مصر حيث التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة لدراسة القانون كجده، وكانت المرحلة الجامعية محطة جديدة ونوعية في حياته. وأطلّ خلال وجوده  في مصر على الأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية لثورة يوليو، وتابع عن قرب خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومشروع بناء السد العالي، ومشاريع التصنيع الضخمة ومشاريع الإصلاح الزراعي، وقضايا التحول الاشتراكي وبناء المجتمع المصري الجديد، واطّلع على التطور الكبير الذي كانت تشهده مصر في مجال الثقافة وحركة التأليف والترجمة والنشر، وتابع حركة التطور والنهوض الثقافي في مجالات الفنون والمسرح وصناعة السينما، حين كانت الحركة الثقافية في مصر في خط تصاعدي كبير وكانت القاهرة منارة للثقافة والفكر في ستينيات القرن العشرين، كما كانت تموج بالتيارات السياسية والفكرية والثقافية، وانكبّ مجددًا وبشكل لافت على قراءة عشرات الكتب لأبرز الكتّاب والمفكّرين والأدباء والصحفيين عربًا وأجانب. قرأ في القومية والوحدة العربية وفي التاريخ العربي، قرأ في الماركسية وقرأ عن المدارس الاشتراكية والاقتصاد الاشتراكي، وعن تجارب ثورات العالم وغيرها، كل  ذلك  أكسبه مزيدًا  من الثقافة.

وخلال وجوده في مصر شهد أحداث حرب يونيو 1967 بكل مآسيها وآلامها، لم تكن تلك محنة الطالب الذي فقد وطنه فحسب بل محنة أمة بأسرها، وكان يرى أن مصر والعرب خسروا معركة لكنّهم لم يخسروا الحرب، وأن تلك كانت نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في النضال لاستعادة الحق الضائع والأرض المسلوبة.

في شهر تموز 1968 حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، وعاد إلى عمان حيث انتسب إلى نقابة المحامين الأردنيين كمحامٍ متدرب، وعاد إلى القدس نهاية عام 1969، حيث واصل تدريبه ليحصل على إجازة المحاماة من نقابة المحامين الأردنيين، وآثر الانضمام إلى المحامين المضربين عن العمل بسبب ضمّ القدس وطرد السلطة القضائية العربية من المدينة وإحلال القوانين الإسرائيلية، وكان المحامون المضربون قد اتخذوا هذا القرار في حزيران 1967، بعد الاحتلال الإسرائيلي للمدينة.

في عام 1970 بدأ العمل في الصحافة، حيث عمل محرّرًا في صحيفة القدس، ثم عمل  في مجال التحقيقات الصحفية في مجلة (ألوان) وهي مجلة اجتماعية فنية، ثم انتقل للعمل في صحيفة (الفجر) التي كانت تعبّر عن توجهات منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل. ولعبت صحيفة (الفجر) عام  1977 دورًا هامًّا في تلك المرحلة التي شهدت زيارة الرئيس أنور السادات للقدس، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد، حيث قامت بتعبئة الرأي العام في المناطق المحتلة ضد الزيارة  وضد اتفاقيات كامب ديفيد، وعملت على تأكيد دور منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني، باعتبارها الممثل الشرعي  والوحيد.

وخلال عمله المهني في صحيفتيْ القدس والفجر ومجلة ألوان الذي استمر قرابة عشر سنوات، كتب ونشر عشرات المقالات التي تناولت العديد من الموضوعات السياسية والاجتماعية والثقافية المتعلقة بفلسطين والوطن العربي والعالم، وأجرى عشرات التحقيقات الصحفية في الداخل والخارج.

اهتمّ بالعمل المسرحي وأسّس مع زميله الراحل عطية أبو رميلة فرقةً مسرحية أسموها (المسرح التجريبي)،  قدّمت مسرحية توفيق  الحكيم (الأيدي الناعمة) عام 1972، ومسرحية (القضية  في  النملية) وغيرها من الأعمال المسرحية.

في عام 1979 بدأت مقدمات مرحلة جديدة في حياته، حين التقى مع المحامي زهير الريس وفيصل  الحسيني، ووضع الثلاثةُ معًا الأفكار الأساسية والخطوط العريضة لإنشاء مركز للدراسات والأبحاث والتوثيق في مدينة القدس، الأمر الذي أسفر فيما بعد عن إنشاء جمعية الدراسات العربية، وذلك في أوائل عام  1980، وانتدب للعمل مديرًا لإدارة الجمعية، ثم أصبح مديرًا لمركز التوثيق والمعلومات، حيث أشرف على تأسيس مكتبة متخصصة في مواضيع فلسطين أرضًا وشعبًا وقضية، وفي شؤون وقضايا الوطن العربي والصراع العربي الإسرائيلي، وتولّى مسؤولية الإشراف على إنشاء قسم للوثائق الفلسطينية، وقسم آخر للمعلومات الصحفية، وقسم للشخصيات، وقسم للصور؛ لتكون مصادر ومراجع للباحثين والدارسين، وقام بتشجيع الباحثين والدارسين على نشر أبحاثهم ودراساتهم، وتمّ إصدار وترجمة وطباعة ونشر عشرات الكتب والمؤلفات. وقد تعرضت الجمعية وموظفوها منذ تأسيسها للملاحقة والاعتقال من قبل السلطات الإسرائيلية بسبب نشاطاتها الوطنية، وعقب اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 زادت المضايقات ووصلت إلى  حد إغلاقها مدة أربع سنوات بتهمة خطورتها على الأمن الإسرائيلي.

في عام 1992 وبعد انتهاء سريان الإغلاق، اختير مديرًا عامَّا لجمعية الدراسات العربية التي عادت إلى ممارسة دورها ونشاطاتها العلمية والأكاديمية في مجالات التوثيق والمعلومات، ومعلومات حقوق الإنسان الفلسطيني، وأبحاث الأراضي والخرائط والمعلومات الجغرافية والشباب والتخطيط وغيرها.

بالتوازي أنشأ فيصل الحسيني في نهاية ذلك العام بيت الشرق؛ ليكون مقرًّا للوفد الفلسطيني لمفاوضات السلام، الذي أصبح بعد ذلك العنوان السياسي والمرجعي لأبناء القدس في مختلف المجالات، وفي عام  1998 انتدبه فيصل الحسيني ليكون مديرًا لبيت الشرق.

في آب2001 وبعد شهرين على وفاة فيصل الحسيني، قامت السلطات الإسرائيلية بإغلاق مبنى بيت الشرق وجمعية الدراسات العربية ومؤسسات فلسطينة أخرى في القدس، وقد واصل مهمته وعمل على استمرار وتعزيز عمل مراكزها ودوائرها المختلفة رغم الحصار الذي فرض عليها بسبب سياسة الإغلاق المتواصل.
اختيرَ عام 2002 عضوًا مؤسّسًا في مؤسسة فيصل الحسيني، وعضوًا في مجلس إدارتها أكثر من مرة، ففيصل الحسيني كان رفيقه وشريكه وصديقه، ووفاته أثّرت عليه كما أثّرت على القدس، إلا أنّه لم يتوقف عن العمل، حيث تفرغ للدراسة والبحث في موضوع القدس، وشارك في عدد من المؤتمرات التي عقدت في الداخل والخارج بخصوص القدس، وأصدر عام 2018 مع زميله قاسم أبو حرب دراسة استغرق العمل عليها ما يقارب خمس سنوات، بعنوان "المشهد الحضاري في مدينة القدس"، وهي تشمل المعالم الحضارية في المدينة المقدسة.

إسحق متزوج من السيّدة هداية الكاظمي البديري، رئيسة جمعية الاتحاد النسائي العربي في القدس، هو والد الصحفي والإعلامي إحمد البديري، والصحفية والإعلامية جيفارا البديري، والمحامية عروبة البديري.